العلامة المجلسي
315
بحار الأنوار
50 - نهج البلاغة : روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام ( 1 ) يقال له : همام كان رجلا عابدا ، فقال له : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين ، حتى كأني أنظر إليهم ، فتثاقل عن جوابه ، ثم قال عليه السلام : يا همام اتق الله وأحسن ! فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه ، قال : فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : أما بعد فان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم . فالمتقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء ، لولا الاجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها ، فهم فيما منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة ، أجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم ، تالين لاجزاء القرآن ، يرتلونه ترتيلا يحزنون به أنفسهم ، ويستشيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليه مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم .
--> ( 1 ) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 226 باب المؤمن وعلاماته وصفاته مع اختلاف .